السيد محمد تقي المدرسي

43

من هدى القرآن

الخالص ، ورفض الطاغوت الخارجي بمقاومة الانحراف الاجتماعي والسياسي والثقافي و . . . في الواقع القائم الذي هو صورة ظاهرية للجبت الداخلي ، ثم التسليم لله والتضحية والاستقامة في سبيله . بلى ؛ إن إبراهيم عليه السلام من شيعة نوح عليه السلام أو شيعة الرسولصلى الله عليه وآله . ولكن كيف وصل إلى هذا المقام الرفيع ؟ . يجيبنا القرآن عن ذلك ب : إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ وهو الذي سلم من كل الأمراض ، كالحسد والحقد والجبن والخوف ، التي يسميها القرآن بالأغلال ، إذ يحدثنا عن أهداف بعثة الرسول محمد صلى الله عليه وآله فيقول : وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ [ الأعراف : 157 ] . وهذه الأمراض والأغلال إنما تتفرع من شجرة الشرك بالله ، وإنما سماها القرآن بالأغلال والأسر تارة وبالمرض تارة أخرى ، لأن الأغلال والأسر كما المرض ، كلها تقعد الإنسان وتكبل عقله وطاقاته الخيرة . وقال علي بن إبراهيم في قوله : إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ قال : ( القَلْبُ السَّلِيمُ مِنَ الشَّكِّ ) « 1 » . وقال الإمام الصادق عليه السلام : ( وَكُلُّ قَلْبٍ فِيهِ شِرْكٌ أَوْ شَكٌّ فَهُوَ سَاقِطٌ وَإِنَّمَا أَرَادُوا الزُّهْدَ فِي الدُّنْيَا لِتَفْرُغَ قُلُوبُهُمْ لِلْآخِرَةِ ) « 2 » . وهذا التفسير يتناسب مع سياق الآيات الذي يحدثنا عن العباد المخلصين . [ 85 ] ولن يصبح القلب إبراهيميّاً خالصا من الشرك ، إلا إذا تعالى على العوامل الأساسية التي تؤثر سلبيّاً عليه ، بل وقاومه ، إذ لا بد للإخلاص من حقيقة خارجية ، وهي محاربة الشرك ، وهكذا كان إبراهيم عليه السلام ، حيث حارب الانحراف الاجتماعي المتمثل في الخط الشركي لأبيه وقومه ، والانحراف السياسي الذي جسده الطاغية نمرود . إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ ولم يكن سؤاله استفساريا ، إنما كان يستنكر الانحراف الاجتماعي القائم ، وهذا ما يجب على الإنسان تجاه أبيه ومجتمعه ، فليس من السليم أن يستقبل منهما كل شيء ، ويفقد استقلاله أمامهما ، إنما يتقبل الجيد ويعترض على ما هو سلبي بالأسلوب المناسب . والنبي إبراهيم عليه السلام مثل للثائر الرافض للخطأ الاجتماعي ، ولخطأ الآباء ، والله يأتي به حجة على الذين أشركوا بهما فحكى عنهم القرآن : إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ ( 69 ) فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ [ الصافات : 69 - 70 ] . فإبراهيم عليه السلام - على خلاف هؤلاء - تحمل مسؤوليته ، وأعمل عقله ولم يقدس الأشخاص ولا التراث على حساب القيم . [ 86 ] واهتدى عليه السلام إلى زيف الشركاء ، وضلال الثقافة التي انتهت بالمجتمع إلى هذه النهاية الموغلة في الانحراف . أَئِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ والإفك هو الكذب المبالغ فيه .

--> ( 1 ) تفسير القمي : ج 2 ص 223 ، بحار الأنوار : ج 12 ص 29 . ( 2 ) الكافي : ج 2 ص 16 .